الشيخ الطبرسي

417

تفسير مجمع البيان

الملك : ما هذا اللسان ؟ قال : لسان آبائي . قال وهب : وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا ، فكلما كلم يوسف بلسان ، أجابه بذلك اللسان . فأعجب الملك ما رأى منه ، فقال له : إني أحب أن أسمع رؤياي منك شفاها . فقال يوسف : نعم أيها الملك . رأيت سبع بقرات سمان شهب ، غر حسان ، كشف لك عنهن النيل ، فطلعن عليك من شاطئه ، تشخب أخلافهن لبنا ، فبينا تنظر إليهن ، ويعجبك حسنهن ، إذ نضب النيل فغار ماؤه ، وبدا يبسه ، فخرج من حمئة ووحله سبع بقرات عجاف ، شعث غبر مقلصات البطون ، ليس لهن ضروع ، ولا أخلاف . ولهن أنياب وأضراس ، وأكف كأكف الكلاب ، وخراطيم كخراطيم السباع . فاختلطن بالسمان فافترستهن افتراس السبع ، فأكلن لحومهن ، ومزقن جلودهن ، وحطمن عظامهن ، وتمششن مخهن . فبينا أنت تنظر وتتعجب ، إذا سبع سنابل خضر ، وأخر سود في منبت واحد ، عروقهن في الثرى والماء فبينا أنت تقول في نفسك : أنى هذا وهؤلاء خضر مثمرات ، وهؤلاء سود يابسات ، والمنبت واحد ، وأصولهن في الماء ؟ إذ هبت ريح فذرت الأرفات من اليابسات السود على الثمرات الخضر ، فاشتعلت فيهن النار ، وأحرقتهن ، وصرن سودا متغيرات . فهذا آخر ما رأيت من الرؤيا ، ثم انتبهت من نومك مذعورا . فقال الملك : والله ما شأن هذه الرؤيا ، وإن كانت عجبا بأعجب مما سمعته منك ، فما ترى في رؤياي أيها الصديق ؟ فقال يوسف : أرى أن تجمع الطعام ، وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة ، وتبني الأهراء ( 1 ) والخزائن ، فتجمع الطعام فيها بقصبه وسنبله ، ليكون قصبه وسنبله علفا للدواب ، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس ، فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ، ومن حولها ، ويأتيك الخلق من النواحي ، فيمتارون منك بحكمك ، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد ذلك . فقال الملك : ومن لي بهذا ؟ ومن يجمعه ويبيعه ويكفي الشغل فيه ؟ فعند ذلك ( قال ) يوسف ( اجعلني على خزائن الأرض ) الألف واللام فرب الأرض للعهد دون الجنس ، يعني : إجعلني على خزائن أرضك ، حافظا وواليا ، واجعل تدبيرها إلي .

--> ( 1 ) الأهراء جمع الهرى - بالضم - : بيت كبير يجمع فيه القمح ونحوه .